التبليغ في الميدان الضريبي.. ضرورة مواكبة المقتضيات الجبائية لمقتضيات قانون المسطرة المدنية

سكينة العلمي
2021-03-28T09:51:49+01:00
ملفات قانونية
14 مارس 2021آخر تحديث : الأحد 28 مارس 2021 - 9:51 صباحًا
التبليغ في الميدان الضريبي.. ضرورة مواكبة المقتضيات الجبائية لمقتضيات قانون المسطرة المدنية

بقلم: المختار السريدي

إذا لم يتوفق مفتش الضرائب في ضبط مسطرة التبليغ فإنه لن يستطيع أن يأمن الملف الذي بين يديه من كل ما قد يتعرض له من طعون ومنازعات قد تنتهي بإبطالات وإلغاءات ، كما أن التبليغ سواء وقع أو تعذر، وسواء تم بكيفية قانونية سليمة أو بكيفية معيبة ، هو الذي يحدد مصير ومآل العديد من الملفات الضريبية.

فالتبليغ الضريبي إذن هو إجراء قانوني محدد في الزمان وحتى المكان ، لايحسنه إلا مفتش متمكن ، الهدف منه إخبار وإعلام وتنبيه الخاضعين للضريبة بواجباتهم الضريبية ومطالبتهم بالأداء أو إبدا ء ملاحظاتهم وتحديد مواقفهم.

ورغم أن بعض العراقيل والصعوبات والمعوقات والإكراهات قد تقف حجرعثرة أمام مفتشي الضرائب فيما يخص السير الحسن والسليم لمسطرة التبليغ ، إلا أن المشرع الضريبي كان فطنا وحكيما و حاضرا بقوة عند إعداد وصياغة النصوص المنظمة للمسطرة المذكورة ، هذه المسطرة التي تعد ضمانة أساسية لحقوق الخاضع للضريبة والإدارة الضريبية على حد سواء .
جاء في المادة 219 من المدونة العامة للضرائب في فقرتها الأولى ما يلي :
” يتم التبليغ بالعنوان المحدد l’adresse indiquée من قبل الخاضع للضريبة في إقراراته déclarations أوعقوده actes أومراسلاته correspondances المدلى بها إلى مفتش الضرائب التابع له مكان فرض الضريبة عليه ، إما برسالة مضمونة مع إشعار بالتسلم lettre recommandée avec accusé de réception أو بالتسليم إليه remise en main propre بواسطة المأمورين المحلفين التابعين لإدارة الضرائب أو أعوان كتابة الضبط أوالمفوضين القضائيين أو بالطريقة الإدارية .”
وبالموازاة مع ذلك نصت الفقرة الأولى من المادة 37 من قانون المسطرة المدنية وهو قانون المسطرة الأم على ما يلي : ” يوجه الإستدعاء بواسطة أحد أعوان كتابة الضبط أو أحد الأعوان القضائيين أو عن طريق البريد برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل أو بالطريقة الإدارية .”
يتبين إذن ومن خلال قراءة متأنية للمقتضيات الواردة بالمادة 219 المذكورة أن إرسال وتوجيه التبليغات الضريبية يجب أن يتم على العنوان المحدد أوالمعين أوالمذكورأو المشارإليه من قبل الخاضع للضريبة سواء :
– في إقراراته وتصريحاته المودعة لدى الإدارة الضريبية التابع لها مكان ربط وتأسيس ومراقبة الضريبة .
– أوفي مختلف العقود والاتفاقات والمحررات التي يتم إيداعها لدى الإدارة الجبائية المختصة ، إما تعزيزا لإقراراته وتصريحاته ، وإما إثباتا لبعض الحالات أو تعديلا لبعض الوضعيات أو من أجل الإستفاذة من بعض الرخص أو الخدمات أو القيام ببعض الإجراءات كإجراء التسجيل مثلا…
– أوفي مختلف مراسلاته التي يوجهها إلى الإدارة قصد إطلاعها أوإخبارها بأي تغيير قد يكون له تأثير على الواجبات الجبائية المزمع فرضها عليه ، أو على مجموع الوضعية الضريبية ، أو جوابا على الرسائل أو الإشعارات التي تبعثها هذه الإدارة إليه …
لكن قد يتعذر في بعض الأحيان تسليم الطي الضريبي n’a pu être remis إلى الخاضع للضريبة بالعنوان المحدد في إقراراته أوعقوده أومراسلاته المدلى بها إلى الإدارة الضريبية ، عندما يتم توجيه الطي في رسالة مضمونة مع الإشعار بالتسلم أوعن طريق المفوضين القضائيين أوبالطريقة الإدارية ، ويرجع إلى الجهة المرسلة مذيلا من طرف مصالح البريد بإحدى الصيغ أوالعبارات أوالبيانات التالية :
غيرمطالب به أو غير مطلوب : Non réclamé
انتقل من العنوان : Changement d’adresse
عنوان غير معروف :Adresse inconnue .
عنوان ناقص أو غير تام : Adresse incomplète
أماكن مغلقة أو مقفلة : Locaux fermés
خاضع للضريبة غير معروف بالعنوان : Contribuable inconnu à l’adresse indiquée.
في هذه الحالات الستة المذكورة بالمادة 219 المشار إليها على سبيل الحصر لا المثال ، يعتبر الظرف مسلما تسليما صحيحا بعد انصرام أجل العشرة (10) أيام الموالية لتاريخ إثبات تعذر التسليم .
وفي هذا الإتجاه جاء في المادة 39 من قانون المسطرة المدنية في فقرتها الثانية ما يلي : ” إذا تعذر على المكلف بالتبليغ أو السلطة الإدارية تسليم الإستدعاء لعدم العثور على الطرف أو على أي شخص في موطنه أو محل إقامته ، ألصق في الحين إشعارا بذلك في موضع ظاهر بمكان التبليغ ، وأشار إلى ذلك في الشهادة التي ترجع إلى كتابة ضبط المحكمة المعنية بالأمر ” .

ورغم تعدد حالات رجوع الرسائل المضمونة مع الإشعار بالتوصل كما سلف القول ، فإن أغلب الرسائل تعود بعبارة ” غير مطلوب ” وهي عبارة تفيد بأن إدارة البريد توجه إشعارا إلى صاحب الطي الضريبي قصد سحب طيه في أجل معين وإلا قامت بإرجاعه إلى الجهة المرسلة مذيلا بتلك العبارة .
وقد وقف القضاء المغربي موقفا متباينا من المسألة ، بين من يقول بأن رجوع الرسالة وهي تحمل عبارة ” غير مطالب به ” هو بمثابة توصل وهو موقف قديم لم يعد يتماشى والصحوات القانونية والحقوقية التي بدأت تشهدها الأنظمة والتشريعات للعديد من البلدان الديمقراطية ، وبين من يقول بأن رجوع الرسالة بتلك العبارة لايعد تبليغا بالمعنى القانوني للكلمة حيث لابد من وجود الإثباتات القوية والمنطقية والكافية قبل أي فرض ضريبي .
فقد جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى تحت عدد 23 بتاريخ 27 دجنبر 1978 في الملف المدني عدد 67/701 أنه ” إذا رجعت الرسالة المضمونة مؤشرا عليها بعبارة – غير مطلوب – فإنه لا يصح اعتبارها بمثابة توصل كما هو الحال بالنسبة لرفض التسلم الذي يعطي لعبارة -غير مطلوب – صبغة رفض التسلم يكون مرتكزا على تعليل خاطئ يستوجب النقض ” ، وجاء في قرار ثان : ” أن الدفع المتعلق بكون عبارة – غير مطلوب – الواردة على غلاف الإنذار لا تعني أن المرسل إليه قد توصل بالإنذار أو رفض تسلمه وهي نقطة تتعلق بالواقع لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى لا يسمح لإثارتها لأول مرة أمام المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا ) ” .
وهذا يعني بأن رجوع الطي الضريبي بعبارة ” غير مطلوب أو مطالب به ” لايصح اعتباره توصلا أو عدم توصل ، لأن المسألة تبقى مسألة واقع متروك تقديرها لسلطة محكمة الموضوع ولا رقابة على ذلك من طرف محكمة النقض إلا فيما يتعلق بتطبيق القانون ، لما في ذلك من حفظ وحماية لحقوق الخاضعين للضريبة الذين لم يتمكنوا من التوصل بالرسائل الموجهة إليهم من طرف الإدارة الضريبية لسبب من الأسباب أو لظرف من الظروف حيث يمكنهم إثبات هذا السبب أو هذا الظرف في مواجهة الإدارة كأن يكونوا غير متواجدين بالعنوان الموجود على ظهر الرسالة أو لم يتم العثور عليهم أو على من ينوب عنهم في العنوان المذكور بسبب سفر أو شغل أو مرض أو طارئ أو أي عذر من الأعذارالصحيحة التي يمكن إثباتها بمختلف وسائل الإثبات الممكنة والمتوفرة .
لاشك أن ملفات مثل هاته تسقط الواحدة تلو الآخرى ، بسبب عدم منافحة الإدارة الضريبية عنها بالشكل القانوني اللائق ، ذلك أن عبارة ” الرجوع إلى المرسل – Retour à l’envoyeur ” تعني في لغة البريديين أن الرسالة المضمونة لم تصل إلى المعنيين بها وأن هناك أسباب وجيهة تثبت عدم التوصل ، لم يتمكن الموظفون البريديون من إدراجها أو تدوينها أو الإشارة إليها بالطي الضريبي ، إما نسيانا أو سهوا أوإغفالا أو تحت ضغط ظروف وإكراهات العمل البريدي ، لكن دون أن يصل الأمر إلى حد العبث بالمال العام بدفع القضاء لكي يصدر أحكاما مجانبة للصواب ، وفي هذه الحالات يتعين بل يجب على مفتشي الضرائب اللجوء إلى إدارة البريد قصد استصدار شهادة إدارية تثبت أن الطي الضريبي رجع فعلا إلى الإدارة مذيلا بعبارة أو صيغة من الصيغ الواردة بالمادة 219 سالفة الذكر.

وفي هذا الصدد فقد استقر قضاء محكمة النقض على ضرورة التشبت بقواعد قانون المسطرة المدنية باعتبارها قانون المسطرة الأم بالنسبة لجميع المساطر ، في فض العديد من المنازعات الجبائية التي يكون موضوع الطعن فيها هو إجراءات التبليغ ، والإلتفاف على النصوص والمقتضيات الواردة بالمدونة العامة للضرائب ، والحال أن هذه المقتضيات الأخيرة هي الواجبة التطبيق لكونها نصوصا خاصة وذات طبيعة خاصة ، والنصوص الخاصة ترجح دائما على النصوص العامة ، ولايمكن اللجوء إلى النصوص العامة إلا في حالة قصور أو سكوت النصوص الخاصة ، هذه الأخيرة التي تبدو تقنية ومعقدة وتتغير كثيرا بل وترهق قضاة الموضوع الذين قد يجدون في أحيان كثيرة صعوبة كبيرة في فك شفراتها ومواكبة تعديلاتها المتجددة والمستمرة.

فما دام أن المشرع الجبائي تكلم بما فيه الكفاية عن مسطرة التبليغ بالمادة 219 من المدونة العامة للضرائب ، فلا حاجة في نظرنا للإحتكام لنصوص المواد 37-38-39 من قانون المسطرة المدنية التي لاتختلف فيما بينها كثيرا اللهم إلا إذا كان للقضاء رأي آخر.

ولكن مع ذلك يبقى المشرع الضريبي ملزما بأن يواكب التعديلات التي عرفتها المادة 39 من قانون المسطرة المدنية وأن يحذو حذوها خاصة فيما يتعلق بإلصاق الطي الضريبي في مكان ظاهر بالمحلات الخاضعة للضريبة حينما يتعذر على مفتش الضرائب تسليم الرسالة إلى الخاضع للضريبة بالعنوان المحدد في إقراراته أوعقوده أومراسلاته المدلى بها إلى الإدارة عندما يتم توجيه الطي في رسالة مضمونة مع الإشعار بالتسلم أوعن طريق المفوضين القضائيين أوبالطريقة الإدارية ، ويرجع إلى الجهة المرسلة مذيلا من طرف مصالح البريد بإحدى الصيغ أوالعبارات أوالبيانات المذكورة بالمادة 219 من المدونة العامة للضرائب .

انتهى

 

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.