النموذج التنموي الجديد.. هل هو إعلان عن فشل تجربة في الحكم؟

30 مايو 2021آخر تحديث : الأحد 30 مايو 2021 - 9:08 مساءً
admintest
كتاب وآراء
النموذج التنموي الجديد.. هل هو إعلان عن فشل تجربة في الحكم؟

بقلم: الدكتور رضوان زهرو

بداية، يمكن القول ، إن ما توصلت إليه اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، من نتائج وما اقترحته من توصيات، يمكن اعتباره ذكاء جماعيا معتبرا ومقدرا، يستحق كل الشكر والثناء؛ فهو عمل بناء؛ مؤطر و بشكل أساسي، على الأقل بخطابين ملكيين مرجعيين: خطاب العرش و خطاب ثورة الملك والشعب، لسنة 2019 ، حيث أراد جلالة الملك منذ البداية، أن تكون مهمة اللجنة ثلاتية؛ تقويمية، استباقية، واستشرافية؛ و كذلك ذات طابع استشاري – لا يمكنها بأي حال من الأخوال، أن تحل، محل الحكومة أو محل أي سلطة أو مؤسسة أخرى- لجنة تقدم الاقتراحات، وتعتمد على المكتسبات، في عدد من القطاعات، كالتعليم والصحة والفلاحة والاستثمار والنظام الضريبي…
فإلى أي حد قد وفقت اللجنة، في تقديم ملامح إصلاح تنموي شامل، كما أراده جلالة الملك، خاصة في شقه الاقتصادي ( وهو موضوعنا هنا)؟

ينطلق النموذج التنموي الجديد كما جاء في التقرير، من مؤهلات وإمكانات، استغلالها واستثمارها على الوجه المطلوب، سيمكن من دون شك، بلادنا، من تحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود، و بلوغها مصاف الدول الصاعدة. ولم لا التموفع ضمن كبار هذا العالم،
من هذه المؤهلات والإمكانات يشير التقرير إلى:
– الموقع الاسنراتيجي المتميز،
– الاستثمار المكثف في البنى التحتية الأساسية، خاصة خلال العقدين الأخيرين،
– توافر رأسمال طبيعي، و آخر لا مادي غني ومتنوع،
– و وجود سوق داخلية واعدة، يجب توسيعها وتحديثها.

انطلاقا من هذه المؤهلات و الإمكانات، تقترح اللجنة الخيارات الاستراتيجية التالية:
– تقوية مساهمة القطاع الخاص وفي نفس الوقت، تقوية دور الدولة، مع مواكبة القطاع العام، وإصلاح وتحديث وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية.
– توزيع عادل ومنصف لثمار النمو بين كل الأفراد والجهات.
– و الاستثمار في الأنشطة الإنتاجية، وذلك عبر خلق قاعدة إنتاجية، يكون من أهم مميزاتها الأساسية:
* خلق نسيج اقتصادي حديث، متنوع، تنافسي وأكثر إنتاجية.
* ومزيد من الانفتاح والاندماخ في الاقتصاد العالمي، مع التوجه أكثر نحو التصدير، لكسب رهان إشعاع المنتج مغربي الصنع.

إن الإمكانات والمؤهلات التي أشار إليها التقرير تعتبر من المزايا النسبية الهامة والأساسية لتحقيق أي نمو اقتصادي أو تنمية دامجة ومستدامة، لكنها في الوقت نفسه، هي غير كافية لوحدها؛ فلا بد من توافر مزايا تنافسية أخرى إلى جانبها، كما أن هذه المؤهلات والإمكانات ليست جديدة أو طارئة اليوم، وإنما كانت دائما موجودة، ومع ذلك لم نستطع تحقيق التنمية المنشودة؛ فما الذي سيجعلها تحقق التنمية اليوم وخلال المرحلة القادمة؟ اللهم إلا إذا تدخل عنصر اقتصادي جديد، من خارج الدورة الاقتصادية الحالية ( والتي تعتبر على طبيعتها الحالية، ضيقة ومحدودة جدا) كاكتشاف ثروة طبيعية جديدة، من غاز أو نفط أو ذهب، أو الوصول مثلا محليا، إلى تكنولوجيا عالية – وهو أمر صعب جدا في اعتقادي اعتبارا للمعطيات الوطنية الحالية- أو جلب مكثف نحو بلادنا، لاستثمارات أجنبية مباشرة و غير مباشرة.

إن تقوية القطاع الخاص والرفع من مساهمته كما جاء في التقرير، من خلال إزالة جميع العراقيل والصعوبات أمامه، وكذلك دعمه ومساندته وتحفيزه، لم يتوقف، و لا يزال مستمرا حتى اليوم ( على الأقل منذ بداية ثمانينيات القرن الماض) من دون أن يحقق الأهداف المتوخاة منه، لأن المشكل هيكلي ومعقد جدا ؛ ويتمثل بشكل أساسي، في البنية الهشة والتقليدية التي يوجد عليها قطاعنا الخاص و توجد عليها أغلب مقاولاتنا. هذه المقاولات التي لا زالت تفضل الانغلاق على الانفتاح، و تفضل التسيير التقليدي على اعتماد طرق تدبير حديثة ومتطورة.

وفي ما يتعلق بدور الدولة، والذي يدعو التقرير إلى إعادة الاعتبار له، من خلال دولة قوية ( يقصد هنا بالدولة القوية، الدولة المركزية التي تنطلق منها القرارات وإليها تعود) دولة حامية وناظمة، في وقت نحن اليوم قد نكون بحاجة أكثر ، إلى “دولة تنموية”، لا تكون لا حارسة ولا تدخلية.
إن الحسم في “دور الدولة” هذا، يمكن اعتباره، قضية تنموية مركزية، بل وأهم خيار استراتيجي على الإطلاق.

ومن القضايا الجوهرية الأخرى التي لم يتم الحسم فيها وإعطاء حلول بشأنها، بشكل مباشر ، واضح و صريح، وإن أسهبت اللجنة أحيانا، في تشخيصها والتذكير ببعضها، نذكر على سبيل المثال فقط:
– اقتصاد الريع،
– القطاع غير المهيكل،
– الاحتكار واحتكار القلة،
– جدوى الاستثمار الأجنبي المباشر.
– تقييم الشراكات المختلفة، مع الدول و مع التكثلات.
– خطر المديونية، الداخلية والخارجية؛
في هذا الإطار، نجد التقرير نفسه، وعلى عكس ما كان متوقعا، يعمل على تكريس هذه المديونية، و يقترح في تمويل النموذج التنموي الجديد، من بين ما يقترح، التوجه نحو سوق الرساميل أو القروض المباشرة أو الاستثمار الأجنبي المباشر، أو إبرام شراكات مختلفة ( وهي كلها آليات تمويلية تقليدية ومجربة) من دون أي إبداع أو اجتهاد كبير؛ سواء بالنسة لتمويل الحماية الاجتماعية أو تمويل الاستثمار في البنى التحتية الأساسية.
– كذلك إصلاح النظام الضريبي، وخاصة ما تعلق منه بتنزيل مخرجات المناظرة الوطنية للجبايات، أو ما تعلق بمآل بعض الاقتراحات الضريبية، كالضريبة على الثروة مثلا، والضريبة على التلوث البيئي، والضرائب على الأنشطة الرياضية والفنية و التجارة الالكترونية والضريبة على الأرباح الناتجة عن العمل في المجال الرقمي وفي العالم الافتراضي بشكل عام.

لا شك أن هذا التقرير العام قد أخذ بعين الاعتبار الجائحة وتداعياتها المختلفة و توقع مستقبلا، احتمال كوارث وأزمات أخرى متكررة، مثل هذه الجائحة؛ فكان حريا به أن يركز على أولوية وضرورة تبني “استراتيجية الاعتماد على الذات” ، إلى جانب دعوته إلى مزيد من الانفتاح على الخارج والاندماج في الاقتصاد العالمي، والتوجه نحو التصدير؛ لأن الأمن الغدائي والأمن الدوائي قضيتين استراتيجيتين و مركزيتين، اليوم أكثر من أي وقت مضى. كما كان على اللجنة كذلك تقديم سقف توقعات معقول، منطقي و مقبول وأكثر عقلانية، فيما يتعلق ببعض الأرقام والمؤشرات التى سيسعى النموذج التنموي الجديد إلى تحقيقها، خلال الخمسة عشر سنة المقبلة.

يمكن للتقرير الذي بين أيدينا أن يشكل خارطة طريق حقيقية، ناضجة وشاملة، و عرضا متماسكا ومتكاملا (بمتابة أرضية صلبة) يطرح للتداول و النقاش العمومي، من أجل تجويده وتطويره ، قبل اعتماده بشكل نهائي، والشروع في تنزيله على أرض الواقع.

لقد تضمن التقرير عدد من العبارات القوية التي حاولت ترجمة جانب من الإحساس العام الذي تشعر به شرائح واسعة من المغاربة؛ أبرز هذه العبارات، عبارة غياب الثقة؛ غياب الثقة في المستقبل، و في المؤسسات، وفي الإدارة، وفي النخب السياسية والاقتصادية، وحتى في بعض القئات الميسورة التي لا تساهم بشكل كاف، في المجهود التنموي لبلادنا،
وفي الختام ، يمكن اعتبار التقرير الذي بين أيدينا، بمتابة إعلان صريح من اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، عن إغلاق قوس، امتد لما يناهز عشر سنوات، كما يمكن اعتباره كذلك اعترافا “شبه رسمي” بفشل تجربة في الحكم، وفي تدبير الشأن العام الوطني، خاصة عندما يتحدث التقرير ومنذ البداية، عن:
– الفشل في تنزيل مضامين دستور 2011.
– وغياب أجوبة شاملة ومندمجة في مجالي التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
– وتواجد دينامية سياسية غير ملائمة، ساهمت في تعطيل مسار الإصلاحات وتعطيل عجلة النمو وتردي الخدمات العمومية؛ ولذلك تطالب اللجنة اليوم بضرورة السند السياسي لكل الإصلاحات المقترحة في النموذج التنموي الجديد.

الاخبار العاجلة