منطق القبيلة في الظاهرة الانتخابية رؤية سوسيولوجيا للفعل السياسي

29 أغسطس 2021آخر تحديث : الأحد 29 أغسطس 2021 - 5:45 صباحًا
admintest
كتاب وآراء
منطق القبيلة في الظاهرة الانتخابية رؤية سوسيولوجيا للفعل السياسي

بقلم: ذ أحمد بوهمان

أن محاولة فهم الظاهرة الانتخابية في صيغتها الحزبية بالمجال القروي خاصة وبالمغرب عامة، توجهنا إلى ضرورة استحضار المقاربة السوسيولوجية والأنثروبولوجية كممارسة نقدية تفكك البنى وتنظر الى الإشكالات الأبستمولوجيا نظرة شاملة. فالظاهرة الانتخابية بالمغرب ترتبط ارتباطا وطيدا بالقبيلة. هذا المفهوم الذي يتعدى الجوانب الاجتماعية، والاقتصادية والثقافية إلى ما هو سياسي، بحيث تكشف(القبيلة) عن نفسها بوصفها مؤسسةً محوريةً في السيرورة التاريخية للمجتمع المغربي؛ ويلتصق مفهوم القبيلة بعدة مفاهيم أخرى كالعصبية واللف، والنعرة، العظمة، وبن العم، ومول الرزة، الحرطاني، و”لمْرَابطْ” والشريف والأمازيغي العطاوي والجد المشترك، والقرابة والأرض وغيرها من المفاهيم الأخرى التي تدور في فلك القبيلة والقبلية… كل هذه المفاهيم تتعارض تماما مع تلك التي تتقمصها الظاهرة الانتخابية الحديثة والمعاصرة، والتي تتغنى بالشعارات الديموقراطية كالانتخابات التشريعية، والأحزاب، والنقابات، والقاسم الانتخابي، والتشاركية، ومقاربة النوع، والمساواة …
وعليه فهل يمكن فهم الظاهرة السياسية بناءً على الوقائع؟ أم أنّ الفعل السياسي الحزبي منفصل تماما عن كل الرواسب الكلاسيكية للقبيلة؟ وهل التمثيلية الحزبية قائمة على الكفاءة أم أنها لصيقة بالمحسوبية ومول الشكارة؟ وكيف ينظر القروي إلى العملية الانتخابية؟ وهل حقا تعدد الأحزاب المغربية تعبير عن الديموقراطية؟
إن مقاربة هذه الإشكالات خاصة تلك المرتبطة بالقبيلة تقودنا الى “العمران البشري” على حد قول ابن خلدون، والذي يربط الولاء والتناصر بين أفراد القبيلة للدولة: فالتناصر والولاء يكونان أولا بين الأفراد بناء على النسب، وبحكم التقارب الجغرافي والزراعة، فالولاء ينتقل من مستواه الفردي إلى الجماعي أي من الأفراد إلى الدولة، وهذه المرجعية تجعلنا نقر أن الممارسة السياسية في زمننا هذا لاتزال تتغذى بالمعطى القبلي والظاهرة القبلية، حيث أمست جل الأحزاب المغربية تسقى من العصبة أو النسب أو القرابة، ومنطق بن العم يحسم الصراع يوم الاقتراع، بخلاف ما تروج له الأحزاب المغربية التي تتظاهر بشعارات الديموقراطية الحديثة والنزاهة الحزبية. ناهيك على أن السلوك السياسي في شكله الانتخابي المعاصر فجر مفاهيم حديثة تجعل من الكرامة شعارها والمساواة طريقها؛ ولكن في عمقها تتخذ من النفاق السياسي آلية لجمع الحشود من الناس والفوز بمقاعد انتخابية بجميع الطرق (بيع وشراء).
ولا يختلف اثنان, أن بعض الأحزاب السياسية في زمننا هذا, لا تبحث عن الكفاءة في التمثيلية الحزبية إنما تهدف الى التغطية الشاملة للمجال، وتستعمل في هذه العملية الطرق المشروع وغير المشروع، كاستغلال فقر أهالي القرى، ودعوتهم إلى تمثيل الحزب مقابل مبلغ مالي(التزكية). وبالمقابل هناك من القبائل ما تجعل مبدأ العرقية أو العصبية أساس التمثيلية (هناك من يؤمن أن التسليم لرجل أسود قائد للعملية السياسية هي مصيبة ثقافية، والعكس أيضا فالأبيض لا يمكن له …). وما يزد من غرابة ذلك المشهد السياسي هو اختيار بعض الأشخاص لا يميزون ولا يفقهون ولا يعقلون ولا يعرفون من الأحزاب إلا تلك الصور والرسومات.
فبالإضافة إلى هذا التحليل نجد أن المختار الهراس في كتابه “القبيلة والسلطة، تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب”، (المركز الوطني لتنسيق وتخطيط البحث العلمي والتقني،1986، ص (25-26. استحضر الانثروبولوجي الفرنسي “روبير مونتاني” الذي قدم بعدا نظريا وظيفيا خاصة عندما يتحدث عن نظام “اللف” بما يتضمنه من انقسام إلى حزبين أو حلفين متعارضين ومتصارعين؛ فهو يرى أن “تاقبيلت” (وهو المفهوم المستعمل عادة في جنوب المغرب، سوس) تستمد كيانها وماهيتها من وحدة الرقعة الجغرافية التي تسكنها وتدافع عنها ويدعي أهلها الانتساب المشترك ولو كان “وهميا”.
ويذهب “مونتاني” إلى أن الجماعة رغم ما يبدو عليها من طابع مساواتي، فإنها لم تكن مع ذلك تجسيدا للإرادة الجماعية ولا تعبيرا شاملا في كل مكونات الكيان القبلي، فإنها لم تكن تنجو من وراء ذلك من سيطرة الأقوياء والأغنياء بغية توجيه قرارها نحو الاستجابة لمصالحهم، كما أنها كانت مجال للنزاع والمنافسة حول من يظفر بحكمها.
كما اعتبر أيضا أن أساس التضامن بين سكان القبيلة ليس هو الأصل المشترك بل التعايش على أرض واحدة، أي أن القبيلة لا تتحدد بانتمائها لجد مشترك بقدر ما تتحدد بوحدة الاسم والتراب والعيش وفق التقاليد والأعراف نفسها، لا تتوفر على مؤسسة سياسية، أما الاتحاد القبلي فلا يبرز إلا عندما تصبح مكوناته تحت إمرة رئيس موحد.
هذا الطرح يؤكد على أن نظام الاتحاد والقيادة السياسية داخل المجال القروي لا يمكن أن يخرج عن نطاق النسب والقرابة ومول الرزة. وهذا المعطى يقوم على عدة مقومات كالأرض والنعرة وما هو اثني عرقي أيضا (وربما هو الأكثر حضورا في بإقليم زاكورة).
خلاصة القول, فالانتخابات في المجال القروي بشكلها الحالي ليست سوى آلية لتكريس الصراع القبلي؛ فهي في عراك مستمر مع نظام القبيلة، ولا يمكن الحديث عن تنمية وتطور في ظل هذا النظام. والأحزاب المغربية بتعددها لا تعبر عن الديموقراطية لأن في أصلها منشقة عن حزبين، وكل حزب يسعى أولا لخدمة مصالحه ويدافع على مبادئه حتى ولو كانت على حساب مصلحة شعبه؛ ومنه فكل محاولة لرفض هذا المعطى هي محاولة لتبرير وتعميم الوهم وجعل المواطنين يشاركون في لعبة الديموقراطية الحزبية في المجال القروي. …وتستمر الحياة.

الاخبار العاجلة