الممنوعون من الصرف

admintest
الأخبار
12 يوليو 2021آخر تحديث : الإثنين 12 يوليو 2021 - 3:38 مساءً
الممنوعون من الصرف

– بقلم : عزيز لعويسي

صوب الصحافي رشيد نيني – قبل أيام – بوصلة قلمه في إطار عموده اليومي “شوف تشوف” نحو “الممنوعون من الترشح”، وذلك عبر ثلاث حلقات متتالية أسقط من خلالها القناع أو الأقنعة عن واقع حال الممارسة السياسية والحزبية التي لم تعد تسر الناظرين، باستعراضه لنماذج من رؤساء جماعات متورطين في قضايا جارية على صعيد المحاكم المختصة، مرتبطة في شموليتها بتبديد أموال عمومية وسوء تدبير الشأن المحلي، وما يدور في فلك ذلك من حلب ونهب وسلب وشطط وتجاوز، ومن عبث خفي ومعلن بالمال العام بدون حرج أو حياء، وإذا كان الصحافي المذكور قد نجح في الكشف عن العورة السياسية وأفلح في رفع الستار عن السوءة الحزبية، فلايمكن إلا القول “ما خفي كان أعظم “.

الوجوه التي كشف عنها صاحب عمود “شوف تشوف” لاتحتاج بالضرورة إلى قلم جرئ أو إلى قدرات في التحرير الصحفي أو إلى كفايات في تحليل الشأن الحزبي والسياسي، من أجل نشر غسيلها أمام الملأ، ليس فقط لأنها موضوع قضايا جارية أمام المحاكم بات يعلم بها القاصي قبل الداني، بل لأنها باتت مكشوفة أكثر من أي وقت مضى، فيكفي القول، أن هناك حالات كثيرة لمنتخبين، تحولوا بقدرة قادر إلى منعشين عقاريين وأصحاب مشاريع ورجال أعمال بدون حسيب أو رقيب، مكرسين مفاهيم للأحزاب السياسية والانتخابات، مرادفة للتسنطيحة وتخراج العينين والنفاق السياسي والعبث والمصالح المتشابكة وانعدام المسؤولية، والجري وراء ما تجود به الممارسة السياسية من مكاسب ومناصب ومسؤوليات وكراسي، تعبد طرق الارتقاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

وهؤلاء ليس فقط “ممنوعون من الترشح” كما وصفهم “رشيد نيني”، بل “ممنوعون من الصرف” بلغة الإعراب، يتموقعون خارج قواعد الرفع والنصب والجزم والجر، وبذلك، فهم لايستحقون فقط “المنع من الترشح” حتى لايعيثوا في أرض السياسة عبثا ووقاحة وفسـادا، بل أن يتم التعامل معهم وفق قواعد إعرابية بديلة، مبنية على ضوابط الافتحاص والتدقيق والبحث والتقصي بشأن الممتلكات الظاهرة والباطنة، تفعيلا لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وهذا المبدأ الدستوري لابد أن يكون كالموت “لايستثني أحدا” ممن يتحمل المسؤوليات محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا.

غياب “ربط المسؤولية بالمحاسبة” لايزال يسيل لعاب صناع العبث ويفتح شهية الكائنات الانتخابية، من أجل التمادي في ممارسة العبث السياسي بكل مستوياته وتجلياته، ويكفي أن نتأمل “حرب التزكيات” و”الترحال السياسي” الذي تشتد جمرته في مواسم الانتخابات و”الحملات الانتخابية السابقة لأوانها”، ويكفي استحضار رئيس إحدى الجماعات الذي وقع أرضا بعدما اجتاحته حالة من الهستيريا دفاعا عن الكرسي على بعد أسابيـع من الاستحقاقات الانتخابية، ويكفي التوقف عند الكثير من الكائنات الانتخابية البئيسة التي دخلت في طقوس قدرة لم تعد تخفى على أحد بحثا عن الأصوات، التي من شأنها حفظ الكراسي وصون المكاسب وتعبيد طرق ومسالك الارتقاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي …، ليتبيـن لنا حجم العبث السياسي الذي بات أكبر جائحـة تتهدد الوطن وتمنعه من كل فرص النهوض والتطور والازدهـار.

وبمفهوم المخالفة، لو تم التفعيل الأمثل لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” وتم تحريك آليات “عدم الإفـلات من العقاب”، وتحركت عجلات المؤسسات والأجهزة المنوط بها تعزيز الحكامة الرشيدة ومحاربة الفساد وحماية المال العام بما يلزم من الإرادة والجــرأة والمسؤولية، ما كنا اليوم، نتحدث عن حرب التزكيات أو الترحال السياسي أو الوعود والأكاذيب المعسولة التي تتمدد مساحاتها في مواسم الانتخابات، وما كنا نوجه البوصلة نحـو “الكائنات الانتخابية” و”صناع العبث الحزبي والسياسي”، لذلك، فليس أمامنا من خيـار، سـوى الرهان على تغييـر الصورة، لأن واقع الممارسة الحزبية والسياسية لم يعد يسـر الناظرين ، وهذا التغييـر بات اليــوم ضرورة قصـوى أكثر من أي وقت مضى، استحضارا لحجم العبث السائد وتداعياته على التنمية المجالية وعلى المعيش اليومي للمواطن، واعتبارا للرهانات الاقتصادية والتنموية ذات الصلة بالنموذج التنموي الجديد، وبالمشاريع الاستراتيجية التي أطلق ويطلق عنانها الملك محمد السادس بكل جرأة وتبصر.

وعليه، وبقدر ما نثمـن ما يعيشـه المغرب من ديناميـة إصلاحية وتنمويـة ودبلوماسية متعددة الزوايـا، بقـدر ما نعلن عن أسفنا احتجاجا على ما بات يعيشه المشهد الحزبي والسياسي من مشاهد العبث والانحطاط، لذلك، نلح على ضرورة توفر إرادة حقيقية في محاربة الفساد وتعقب العابثين الحزبيين والسياسيين والمتربصين بالمال العام، فالمغرب الممكن أو المأمول أو المنتظر، لايمكن قطعا بناؤه بوجوه قديمة كان لها نصيبا بدرجات ومستويات مختلفة فيما وصلنا إليه من ارتباك تنموي، مكرس للإحساس بفقدان الثقة والإحباط واليأس والنفور، وإذا رفع الجميع شعار “مغرب اليوم ليس كمغرب الأمس” في عز الأزمة الدبلوماسية مع الإسبان والألمان، فلابد أن نكون جميعا جبهة واحدة في مواجهة ممارسات الفساد والعبث والانحطاط، وأن نرتقي بمستوى السلوك السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لنكون في مستوى ما ينتظرنا من رهانات آنية ومستقبلية، في ظل “نموذج تنموي جديد” نعول عليه أفرادا وجماعات، لوضع قطار الوطن على سكة التقدم والإقلاع الشامل.

وإذا خصصنا المقال للممنوعين من الصرف، فمن باب توضيح الرؤية، فنحن نقصد بهم كل صناع العبث الحزبي والسياسي وكل الكائنات المفسدة للانتخابات وكل المتربصين والعابثين بالمال العام، وكل المنتخبين الذين لايظهرون للمواطن إلا في مواسم الانتخابات بحثا عن الأصوات بكل الطرق القبيحة والوسائل القدرة، وكل المسؤولين المحليين والجهويين الذين حولوا المدن والأرياف إلى مجالات بئيسة لاصوت يعلو فيها على صوت الارتباك والتواضع، وكل الذين يقصون على الوطن بأنانيتهم المفرطة وجشعهم وعبثهـم وانعدام مسؤوليتهم، وهؤلاء وغيرهم كثير، لابد من إزاحتهم من واقع الممارسة السياسية ومن خوض الترشح في الانتخابات، وإخضاع من تحمل منهم مسؤولية التدبيـر المحلي، إلى سلطة “المحاسبة”، ليـس فقط من باب حماية البناء الديمقراطي وصون العمليات الانتخابية، بل ومن أجل استئصـال شوكـة كل “كوفيدات العبث” التي تتهدد جسـد الوطن، وتمنعه من كل فرص النهوض والارتقــاء.

وفي هذا الإطار، نحمل المسؤولية بشكل مباشر إلى الأحزاب السياسية التي لم تعد تميــز بين “الصالح” و”الطالح” في منح “التزكيات”، وإلى المواطن الذي يكـرس العبث الانتخابي والسياسي، إمـا بعزوفه عن التصويت، أو بتصويته على “الممنوعيـن من الصرف”، وإلى الأجهزة المعنية بالحكامة ومحاربة الفساد وحماية المال العام، التي لابد أن تتحرك في الميــدان لردع العابثين والفاسدين، دون إغفـال الإعلام، الذي لابد أن يتحمل مسؤولياته المواطنة في فضح الفساد والكشف عن عورة المفسدين والمتهورين والعابثيـن، وبهذا الشكل يمكن أن نجود ممارستنا الديمقراطية ونجعل من الانتخابات الحرة والنزيهـة، فرصتنا للتغييـر المأمول، ونحمي الوطن من كيد الكائدين وحسد الحاسدين، غيـر هذا، سنعيـد إنتاج نفــس المسلسل، بنفــس الممثلين وأحيانا بنفس السيناريو، مع اختلافات طفيفـة في تقنيات الإخـراج ..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.